ابن عطية الأندلسي

491

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

الأرض قبل مجيء الإسلام ، قال الحسن : جاء الإسلام وإن المجوس لتجبيهم الجزية ، وما كانت لهم عزة ومنعة إلا بيثرب وخيبر وتلك الأرض فأزالها اللّه بالإسلام ، ولم تبق لهم راية أصلا في الأرض ، و الذِّلَّةُ فعلة من الذل ثُقِفُوا معناه أخذوا وهم بحال المذنب المستحق الإهلاك ، ومنه قوله تعالى : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ [ الأنفال : 57 ] فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ ثقفتموهم [ التوبة : 5 ] واللفظة مأخوذة من الثقاف ، ومنه قول الشاعر : تدعو ثقيفا وقد عضّ الحديد بها * عضّ الثّقاف على صمّ الأنابيب وقوله تعالى : إِلَّا بِحَبْلٍ استثناء منقطع ، وهو نظير قوله تعالى : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً [ النساء : 92 ] لأن بادي الرأي يعطي أن له أن يقتل خطأ ، وأن الحبل من اللّه ومن الناس يزيل ضرب الذلة ، وليس الأمر كذلك ، وإنما الكلام محذوف ، يدركه فهم السامع الناظر في الأمر ، وتقديره في آياتنا فلا نجاة من الموت إِلَّا بِحَبْلٍ ، وقوله تعالى : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا كأنه بالمعنى هلكوا واستؤصلوا ، فلذلك حسن أن يجيء بعده إِلَّا بِحَبْلٍ ، وقرب فهم ذلك للسامع ، قال الزجّاج : المعنى ضربت عليهم الذلة إلا أنهم يعتصمون بالعهد إذا أعطوه ، و « الحبل » العهد ، شبه به لأنه يصل قوما بقوم كما يفعل الحبل في الأجرام ، و باؤُ معناه مضوا متحملين لهذا الحكم ، و « غضب اللّه عليهم » ، بما دلت عليه هذه الأمور التي أوقع بهم ، وأفعال بني إسرائيل على وجه الدهر من التعنت والعصيان توجب الغضب ، فلذلك خصوا به ، والنصارى إنما ضلوا فقط ، و الْمَسْكَنَةُ التذلل والضعة ، وهي حالة الطواف الملتمس للقمة واللقمتين المضارع المفارق لحالة التعفف والتعزز به ، فليس أحد من اليهود وإن كان غنيا إلا وهو بهذه الحال ، وقوله تعالى : ذلِكَ إشارة إلى الغضب وضرب الذلة والمسكنة ، فعاقبهم اللّه على كفرهم وقتلهم الأنبياء بذلك ، و « آيات الله » : يحتمل أن يراد بها المتلوة ، ويحتمل أن يريد العبر التي عرضت عليهم ، وقوله : بِغَيْرِ حَقٍّ تأكيد ومبالغة وقطع لما عسى أن يكون في وهم إنسان ممكنا بوجه ما ، وقوله تعالى : ذلِكَ بِما عَصَوْا حمله المفسرون على أن الإشارة بذلك إلى الشيء الذي أشير إليه بذلك الأول ، قاله الطبري والزجّاج وغيرهما . والذي أقول : إن الإشارة ب ذلِكَ الأخير إنما هي إلى كفرهم وقتلهم ، وذلك أن اللّه تعالى ، استدرجهم فعاقبهم على العصيان والاعتداء بالمصير إلى الكفر وقتل الأنبياء ، وهو الذي يقول أهل العلم : إن اللّه تعالى يعاقب على المعصية بالإيقاع في معصية ، ويجازي على الطاعة بالتوفيق إلى طاعة ، وذلك موجود في الناس إذا تؤمل ، وعصيان بني إسرائيل واعتداؤهم في السبت وغيره متقرر في غير ما موضع من كتاب اللّه ، وقال قتادة رحمه اللّه عندما فسر هذه الآية : اجتنبوا المعصية والعدوان فإن بها أهلك من كان قبلكم من الناس . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 113 إلى 114 ] لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ( 113 ) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 114 )